أحمد بن محمد ابن عربشاه
267
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
قال : وأعجب من هذه الصفات أن هذه الدابة تأكل الجمرات وتلتقط الحصيات ، وتختطف الحديدة المحماة من النار تزدردها ولا يتألم لذلك فمها ولا جسدها ، وتذيب كل ذلك معدتها ولا يتأثر بها لسانها ولا ترقوتها ، فأنكر بعض الحاضرين هذا المقال لكونه لم يشاهد هذه الأحوال ، ولا رأى ولا سمع خبر طير يأكل النار ويبلع الأحجار ، ونسبوه إلى المخارقة في الأخبار ، فتصدى لإثبات ما يقول بطريقى المنقول والمعقول ، فلم يسعف كلامه القبول على ما ألفته منهم العقول ؛ لأن الحيوانات بل وسائر الجمادات إذا اتصلت بها النار محت منها الآثار ، وهذا طير من الأطيار من لحم ودم فكيف لا تحرقه النار فاتفق الجمهور على تكذيب هذه الأخبار ، وقالوا المثل المشهور إنما هو موضوع على كل لسان الطيور فيمن تردد بين الأمور فيقال : الفقير كالنعامة لا يحمل ولا يطير . ومثل هذا المضرب يا شيخ المشرق والمغرب قولهم : طارت به عنقاء مغرب « 1 » . فقال النديم الفاضل الحكيم : أنا رأيت هذا بالعين فلم يزدهم إلا تأكيد المين . وقالوا قد غلطت ولزمت الغلط . فوقع من أعينهم بهذا الكلام إذ قالوا : هذا كذب وسقط . فحصل لذلك النديم من الخجالة والندم أمر عظيم ، واستمر في حصر « 2 » حتى منعه السلطان من الدخول إلى القصر ، وصار بين الأصحاب يشار إليه بيا كذاب . فلم يسع ذلك الأستاذ إلا السفر من تلك البلاد والتوجه إلى العراق وبغداد وأخذ من طير النعام عدة واستعمل عليها رجالا مستعدة ، ونقلها إلى الصين في عدة سنين تارة في البحر وأخرى في البر ، وقاسى أنواعا من البؤس والضر ، وتكلف حملا من الأموال وتحمل مع المشاق منن
--> ( 1 ) مثل يضرب للهلاك . ( 2 ) منع .